ابن جزار القيرواني

155

كتاب في المعدة وأمراضها ومداواتها

ويجمع جوهرها ، حتى يشتد ويقوي وتكون حدّته أقوى واستيلائه أشد . فإن كثرت هذه الأشياء المتولّد عنها شهوة الطعام ، بالقدر الذي ينبغي . أو فوق ذلك قليلا وتفاقمت فتهيجت شهوة الطعام ، بإفراط وعند افراط الشهوة ، ومجاوزتها القدر الطبيعي ، تسمّى الشهوة الكلبية . وهذه الشهوة الغريبة في مقدارها تسمّى الكلبية تعرض عند أحد ثلاثة أسباب : اما عن سوء مزاج بارد يغلب على فم المعدة ، وأما عن خلط حامض يحدث أما لغلبه من الحرارة حتى تحلل . وأما لضعف من القوة الماسكة ، فمتى تولدت هذه الشهوة الكلبية من سوء مزاج بارد ويغلب على فم المعدة ، أو من اجتماع خلط حامض فيها . اتبع ذلك اسهال مفرط ، وضعف في البدن لأن صاحب هذه العلّة يكثر أكله بسبب البرودة . ويضعف هضمه لعدم الحرارة . فإذا أكل فوق ما تقدر حرارة طباعه على هضمه جرح ، ولم يولد فيه للقوة الهاضمة فتحتاج المعدة إلى الغذاء لقوة حاجة الأعضاء إلى التربية ، وفقدان العادة من الغذاء فلا شبع يتدارك ، ولا جوع ينقطع . ولا يزيده نموا . ومتى تولدت هذه الشهوة عن سبب استفراغ البدن من فرط الحرارة ، لم يتبع ذلك اسهال مفرط من قبل أن جميع ما ينال الانسان من الغذاء ينفذ إلى البدن ، وذلك أن الحرارة إذا أفرطت في البدن ، واشتملت عليه كله ( انفتحت ) منافذه ، وتخلخل مسافة ، وكثر عند ذلك التحليل منه . ولكثرة ما يكون من تحليل البدن ، ينشف الأعضاء بعضها من بعض ، حتى يصل ذلك إلى رأس المعدة فإذا وصل إليها الجذب والنشف ، هاجمت الشهوة ومتى تولّدت هذه الشهوة من قبل ضعف القوة الماسكة ، كان الشيء الذي يتناوله الإنسان لا يمكث في المعدة لكنه يخرج بسرعة غير منهضم . وإذا خلت المعدة هاجت الشهوة . فهذه أسباب الشهوة الكلبية والبرهان الدال عليها . القول في التدبير النافع لهذه الشهوة الكلبية ينبغي لنا أن نبدأ من علاج هذه الشهوة الغريبة في مقدارها ، التي تسمّى الكلبية ، فينظر في أي سبب تولّدت فإن كانت من سوء مزاج بارد غالب على فم المعدة ، أو من اجتماع خلط حامض فيها : أمرنا العليل أن يشرب الشراب الصرف الشديد الأسخان . فقد قال أبقراط في كتاب